Saturday, July 29, 2006



  • هل نواجه إسرائيل على طريقة هاري بوتر؟

    بقلم :محمد فاضل


    غداة انتصار المقاومة الفرنسية على الاحتلال النازي في العام 1945، وجد الشيوعيون الفرنسيون أنفسهم أمام سؤال مفصلي سيقرر مستقبل وتاريخ فرنسا اللاحق. لقد قاد الحزب الشيوعي الفرنسي المقاومة ضد النازيين بدأب ومثابرة لا تلين، لكن بعد الانتصار كانوا أمام امتحان أصعب من امتحان المقاومة، امتحان طرحه هذا السؤال: «هل نستلم الحكم؟».
    من رأى أن على الحزب أن يستلم الحكم في فرنسا لأنه قاد المقاومة ضد النازي لقي إجابة فورية: «سيقول الفرنسيون إننا قاتلنا النازيين من أجل استلام الحكم وليس لتحرير فرنسا». كانت هذه الإجابة كافية لكي يتقرر مصير الأحداث، فلقد رفض الشيوعيون الفرنسيون استلام الحكم كي لا يسجل التاريخ عليهم إنهم قاتلوا المحتلين بدافع مصلحي (استلام الحكم).
    من وجهة نظر تاريخية، سيواجه «حزب الله» هذا السؤال ذات يوم، وهو على أية حال سؤال مؤجل منذ الانسحاب الإسرائيلي المهين في العام 2000 من جنوب لبنان، لكن ببساطة شديدة وبكل أشكال القطع ليس هذا هو وقت طرح هذا السؤال، كما انه شأن لبناني محض يقرره اللبنانيون.
    ليس هذا هو وقت طرح جردة الحساب وإحصاء الخسائر والمكتسبات، فليس من المنطق الآن أن يموت اللبنانيون ويقاتل حزب الله وبقية اللبنانيين، فيما يتحدث باقي العرب عن حسابات الربح والخسارة. الآن هو وقت صياغة موقف موحد إلى ابعد الحدود على مواجهة معركة عسكرية وسياسية راهنة ومستقبلية أيضاً.
    الآن ربما تبين ما كان يجب أن يكون واضحا منذ الأيام الأولى، وهو أن المسألة ليست مغامرة ولا إهانة غير محسوبة لبلطجي حارة الشرق الأوسط، فالبلطجي كان مستعدا بخطة مسبقة لضرب لبنان. لا يتعلق الأمر بكلمة السيد حسن نصر الله الأخيرة من على شاشة تلفزيون «المنار»، بل بمعرفة طبيعة البلطجي الذي نحن بصدده.
    كان ذلك واضحا منذ الأيام الأولى للعدوان، فحزب الله لم يكن يتوقع ردا إسرائيليا بمثل هذا الحجم. السر يكمن في الإهانة، فلقد أهين الإسرائيليون وراحوا يضربون بهستيريا. لكن هذا لا يلغي حقيقة أخرى برهنت عليها يوميات العدوان وطبيعته: خطة مسبقة لدى الإسرائيليين تحتاج ذريعة مثلما كانت ذريعة محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو ارغوف عام 1982 من قبل جماعة أبونضال. كل ما في الأمر ان الذريعة كانت اقوى من الاحتمال، إهانة في الصميم.
    لكن خطأ التوقعات ينطبق على الإسرائيليين أيضاً، فالجيش الإسرائيلي لم يكن يتوقع أن يكون رد حزب الله مؤلماً وموجعاً إلى هذا الحد ومقاومته بمثل هذه الضراوة، فزادت جرعة الهستيريا، لقد أخطأوا التقدير. نعم، لقد اخطأ الإسرائيليون التقدير أيضاً، لكن هذه حقيقة تضيع في غبار ودخان القذائف الإسرائيلية ومشاهد رعب الهرمجدون التوراتي الذي صنعوه ومازالوا في لبنان. وعندما لا نجد من عمل لنا سوى إحصاء الخسائر وشيء من تقاليد اللطم والندب، فان هذا ليس سوى إعادة إنتاج لأسطورة رسخها الإسرائيليون لدى العرب: هم المنتصرون ونحن الذين نبكي ونتوجع.
    قلة من العرب من يرى الأمر من هذا الجانب، وأول من يحتاج لكي يرى الأمر على هذا النحو هم الحكومات العربية. ليس هناك من شيء يقترحه هذا سوى المهمة المرحلية الأولى في الموقف العربي الموحد: «دعم مقاومة حزب الله واللبنانيين». تقتضي مصلحة اللبنانيين والعرب الآن دعم المقاومة بشكل واضح يجعل الإسرائيليين والأميركيين يفهمون أمراً واحدا: هناك قوة ردع لضربات إسرائيل أو أي مغامرة إسرائيلية سيكون ثمنها مكلفا.
    والداعون لنشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان عليهم ان يسلحوا الجيش اللبناني، فليس من المعقول ان يتولى جيش لا يملك أكثر من سرب أو اثنين من طائرات «الهوكر هنتر» العتيقة وربما سرب آخر من طائرات «الميراج» وبدون منظومة دفاع جوي فعالة حماية بلد في مواجهة بلطجي الشرق الأوسط المدعوم أميركيا.
    بموازاة ذلك، يتعين الإسراع في تأسيس صندوق عربي لإعادة إعمار لبنان دون انتظار للمبادرات الدولية في هذا الصدد. ليضعوا الفاتورة أمام المجتمع الدولي لكي يتحمل مسؤولياته، لكن على العرب أن لا يركنوا للأوهام كثيرا، هذه مهمتهم بالدرجة الأولى.
    أما إذا جاءت لحظة التقييم والحساب وإحصاء الخسائر، فان امثولة المقاومة الفرنسية لا تطرح سؤالا يتعلق بمصير حزب واحد في لبنان بل بالكيفية التي يرى فيها العرب لا مستقبل لبنان فحسب بل مستقبل بلدانهم بأسرها. أول ما يتعين فعله هو الإقلاع عن وهم كبير: ان الاتفاقيات تفرض التزاما أخلاقياً وسياسياً، أو أن الآخرين سيساعدونهم، أو سيدفعون إسرائيل للتنازل، أو أن الأميركيين سيعطونهم شيئا لم يطالبوا به ولم يضغطوا من اجل الحصول عليه.
    لن يتمكنوا من الحصول على موقف سياسي أو حتى اعتذار دبلوماسي ما لم يفرضوه على الآخرين. وطالما تعلق الأمر بإسرائيل والولايات المتحدة فإنهم لن يتنازلوا عن شيء ما لم يفرض عليهم. الآن بعد هذا السطر بالضبط اشعر وكأنني بدأت اكتب قصصا شبيهة بقصص هاري بوتر.


    السبت 29 يوليو 2006


0 Comments:

Post a Comment

<< Home

CounterData.com

webhosting
webhosting Counter